ثقافة فيلم "عصيان" لجيلاني السعدي: كل القبضات الحديدية تستوجب المقاومة والتحرر
الفيلم في القاعات ابتداء من يوم الاربعاء 9 فيفري
في فيلم جيلاني السعدي الجديد والذي اختار له عنوان "عصيان" مواجهات عنيفة ولقاءات سعيدة، كلّها تنبؤ بالتغيير وبالتحرر من السطوات القديمة. اما النهايات، فهي حمّالة للتأويل بين من يرى فيها تشاؤما وعودة على ذي بدء وبين من يعتبر انّ اهم شيء في حياة الانسان هو ان يسعى ويحاول حتى لو كان مآل سعيه الفشل.
في المواجهات، يتصادم المحتجون مع قوات الأمن مطالبين بإسقاط النظام وبتغيير الاوضاع، وهو الاطار العام الذي تتنزل فيه احداث الفيلم، فذات ليلة تونسية حالكة وحاسمة تشتعل النيران ويحتدم رمي الحجارة مقابل غلظة عصا السلطة. بينما تنبؤ اللقاءات التي يشكلّها المخرج في سياق هذه الليلة الثورية بميلاد مجموعات اجتماعية جديدة تقطع مع الماضي وتفتح المجال لإمكانيات غير متوقعة يعيش من خلالها ابطال الفيلم –وهم اربع شخصيات بيّة ومسمار وولد جنّات والحاج- احداثا غير مألوفة.
فبفضل ارادة فوقية غامضة، تشفطهم أضواء ليزرية (الاله؟ الاقدار؟ مجرد حيلة سينمائية؟ كلّ كما يشاء تأويل ذلك) مما كانوا يعيشون فيه من اشكاليات (بيّة يُعنفها زوجها فتردّ بالمثل فيكون مصيرها الطرد من البيت، الحاج يلقي به ابنه في الطريق العام بعد ان يفتك منه امواله، "ولد جنّات" تمنعه طليقته من زيارة ابنته الصغيرة وتعبث بحاله صديقاتها، اما مسمار فبعد هزيمته غير المنتظرة في لقاء ملاكمة واثر عودته لحيّه الشعبي، ينتقم منه أحد عرّابو الحي ويدغره بسكين) لتلقي بهم في مكان ما على قارعة الطريق السيارة الرابطة بين تونس وبنزرت.
في ذاك "الهنا والان" العجيب تتشابك الاحداث وتتصاعد وتيرتها ليعيش أبطال القصة، وقد كونوا جسما اجتماعيا جديدا، الكرم والتضامن وفرح التحرر والالتقاء وايضا عنف العجز وطغيان الغريزة ووجع الخيبات من عالم رأسمالي وأناني، لا يهتم لحال الضعيف او المسن، بل يرزح ناسه تحت قوى الهيمنة المالية والطبقية والامنية. من هوامشهم ومن منطلقاتهم الهشة، تحاول شخصيات السعدي ابتكار ثنايا جديدة يدفعها الى ذلك تحقيق احلامها الصغيرة ويتوبيا عالم أفضل أو ميلاد تونس جديدة تهدي وعدا بالخلاص من الضعف والعجز حتى وان كان ذلك لفترة محدودة.

وقد شحن المخرج فيلمه بخيارات موسيقية (عبد الله المنياوي) اعطت للقصة طعم الاصوات الغاضبة والثائرة تارّة و المُقدمة والحالمة تارّة اخرى، فضلا عن الأصوات السياسية (بطريقة الفويس اوفر) التي عكست حجم التلاعب والكذب على الشعوب، كل بوعوده الزائفة وعهوده التي لا تسمن ولا تغني من جوع او من فراغ. الاضواء غذت هي الاخرى الفيلم بطريقتها ناهيك ان كل الاحداث تقع في الليل، فاصفرار او اخضرار بعض المشاهد كثّفا من الطابع الرمزي لسرد سينمائي يتنّقل بحريّة بين الواقع والخيال.
وفي سياق حركة فنيّة تجمع بين السينما والعوالم الافتراضية بدت بعض اللقطات اشبه باللوحات الرقمية، حيث رقط السعدي عددا من اللوحات الليلية بنقاط ضوئية متحركة في حركة تخترق الفضاء وتحاكي العزلة الوجودية للشخصيات وعوالم الصمت والفراغ المحيطة بالمهمشين وبمن لا صوت لهم. فيطلّون من خلال نقاط نورهم او خطوطهم الضوئية علّهم يتوّفقون في التقدم في مساراتهم في حلكة الحياة.
وفي فيلم السعدي، الذي يبدو في ظاهره في شكل مروية مجنونة وهزلية في بعض الاحيان، نقد لواقع اجتماعي متردي يستدعي الثورة على كل اشكال الهيمنة والاستغلال. يضع السعدي شخصياته على شفا واقع جديد وغير مضمون الخلاصات، ورغم ذلك فهم يتصارعون الى اخر لحظة ويتحسسون طعم سعادة عابرة وما تسمح لهم به تركيبتهم الجديدة المنفصلة عن السياق العام. كما يعطي الفيلم مرئية لفئات اجتماعية مُغيّبة ومنها على سبيل المثال شخصية المُسّن (الحاج) وشخصية الطليق (ولد جنّات)، وهي نماذج اجتماعية عادة ما تعاني في صمت اما من وحدانيتها او من عجزها او من القيود المضروبة عليها بفعل الوصم وغيرها من الاحكام المسبقة.
اتخذ "عصيان" جيلاني السعدي رغم كمّ السواد المحيط بالشخصيات وبالراهن التونسي ألوانا سعيدة ولسان حاله يقول انّ الصعوبات والسطوات والاستغلال والقبضات الحديدية تستوجب ان نقاومها ونثور عليها عسى ان نشهد ميلاد فجر جديد يقطع مع التهميش والانانيات والطبقية والاستغلال والعنف. يذكر انّ عصيان تحصل على التانيت البرونزي بمسابقة الأفلام الروائية الطويلة لمهرجان أيام قرطاج في دورته الاخيرة.
شيراز بن مراد